عبد الرحمن السهيلي
273
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
جلها الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقال فيها : أشهد إن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخاتم أنبيائه ، وأشهد أن الكتاب كما نزل ، وأن الدين كما شرع ، وأن الحديث كما حدث ، وأن القول كما قال ، وأن الله هو الحق المبين ، في كلام طويل ، ثم قال : أيها الناس من كان يعبد محمداً ، فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت ، وأن الله قد تقدم لكم في أمره ، فلا تدعوه جزعاً ، وأن الله تبارك وتعالى قد اختار لنبيه عليه السلام ما عنده على ما عندكم ، وقبضه إلى ثوابه ، وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه ، فمن أخذ بهما عرف ، ومن فرق بينهما أنكر : « يا أيُّها الذين آمنوا كونوا قَوَّامِين بالقِسْطِ » النساء ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم ولا يلفتنكم عن دينكم ، وعاجلوا الشيطان بالخزي تعجزوه ، ولا تستنظروه فيلحق بكم . فلما فرغ من خطبته ، قال : يا عمر أأنت الذي بلغني عنك أنك تقول على باب نبي الله ، والذي نفس عمر بيده : ما مات نبي الله ، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم كذا : كذا ، وكذا ، وقال الله عز وجل في كتابه : « إنك مَيِّتٌ وإنهم مَيِّتُون » الزمر فقال عمر : والله لكأني لم أسمع بها في كتاب الله تعالى قبل الآن لما نزل بنا ، أشهد أن الكتاب كما نزل ، وأن الحديث كما حدث ، وأن الله تبارك وتعالى حي لا يموت « إنَّا للّه وإنَّا إليه راجعون » البقرة صلوات الله على رسوله ، وعند الله نحتسب رسوله . وقال عمر فيما كان منه : لعمري لقد أيقنت أنك ميّتٌ * ولكنما أبدى الذي قلته الجزع وقلت يغيب الوحي عنا لفقده * كما غاب موسى ، ثم يرجع كما رجع وكان هواي أن تطول حياته * وليس لحيٍّ في بقا ميّتٍ طمع فلما كشفنا البرد عن حرّ وجهه * إذا الأمر بالجزع الموهب قد وقع فلم تك لي عند المصيبة حيلةٌ * أردّ بها أهل الشّماتة والقذع سوى آذن اللّه في كتابه * وما آذن اللّه العباد به يقع وقد قلت من بعد المقالة قولةً * لها في حلوق الشّامتين به بشع ألا إنما كان النبيّ محمدٌ * إلى أجلٍ وافي به الوقت فانقطع ندين على العلاّت منا بدينه * ونعطي الذي أعطى ، ونمنع ما منع وولّيت محزوناً بعين سخينةٍ * أكفكف دمعي والفؤاد قد انصدع وقلت لعيني : كلّ دمعٍ ذخرته * فجودي به إن الشّجيّ له دفع وفي هذا الخبر أن عمر قال : فعقرت إلى الأرض ، يعني حين قال له أبو بكر ما قال ، يقال : عقر الرجل إذا سقط إلى الأرض من قامته ، وحكاه يعقوب عفر بالفاء كأنه من العفر وهو التراب ، وصوب ابن كيسان الروايتين ، وقالت عائشة رضي الله عنها توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلو نزل بالجبال الصم ما نزل بأبي لهاضها ، ارتدت العرب واشرأب النفاق ، فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وغنائها ، ويروى في بقطة بالباء ، قاله الهروي في الغريبين ، وفسره باللمعة ، ونحوها ، واستشهد بالحديث في النهي عن بقط الأرض ، وهو أن يقطع شجرها فتتخذ بقعاً للزرع ، وبقطها ضرب من المخابرة قد فسره . كيفية الصلاة على جنازته عليه السلام : ذكر ابن إسحاق وغيره أن المسلمين صلوا عليه أفذاذا ، لا يؤمهم أحد ، كلما جاءت طائفة صلت عليه ، وهذا خصوص به صلى الله عليه وسلم ، ولا يكون هذا الفعل إلا عن توقيف ، وكذلك روي أنه أوصى بذلك ، ذكره الطبري مسنداً ، ووجه الفقه فيه أن الله تبارك وتعالى افترض الصلاة عليه بقوله : « صَلُّوا عليه وسَلَّموا تَسْلِيماً » الأحزاب وحكم هذه الصلاة التي تضمنتها الآية ألا تكون بإمام ، والصلاة عليه عند موته داخلة في لفظ الآية ،